الشيخ محمد النهاوندي

48

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ذكره والتوجّه إليه وَابْتَغِ يا قارون واطلب فِيما آتاكَ اللَّهُ وفي تملّك هذه الأموال التي أعطاكها اللّه أو بسببها الدَّارَ الْآخِرَةَ ونعمها التي وعدها اللّه المؤمنين فيها ، يصرف في تلك الأموال في الوجوه البريّة والمصارف الخيرية كمواساة الفقراء ، وفكّ الاسراء ، وصلة الأرحام ونحوها وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ ولا تترك حظّك مِنَ الدُّنْيا فانّ حظّ المؤمن من الدنيا تحصيل الآخرة بها . عن أمير المؤمنين : « صحتّك وقوّتك وشبابك وغناك » « 1 » . وقيل : يعني لا تترك أخذ ما يكفيك من الدنيا « 2 » . وقيل : يعني لا تنس نصيبك من الدنيا حين رحلتك منها ، وهو ليس إلّا الكفن ، فلا تغرّر بها « 3 » . ثمّ إنه الأمر بالاحسان بالمال ، أمره بمطلق الاحسان بقوله : وَأَحْسِنْ إلى عباد اللّه بالمال والجاه والبشر وحسن اللّقاء والذّكر ونظائرها كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ بتوفير المال والنّعم ، فنبّه على أنّ إحسان العباد شكرا لاحسان اللّه وَلا تَبْغِ ولا تطلب الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ بالظّلم والتكبّر والتجبّر والعصيان إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ بل يبغضهم . عن الصادق عليه السّلام : « فساد الظاهر من فساد الباطن ، ومن أصلح سريرته أصلح اللّه علانيته ، ومن خان اللّه في السرّ هتك اللّه سرّه في العلانية ، وأعظم الفساد أن يرضى العبد بالغفلة عن اللّه تعالى ، وهذا الفساد يتولّد من طول الأمل والحرص والكبر ، كما أخبر اللّه تعالى في قصة قارون في قوله : وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ وكانت هذه الخصال من صنع قارون واعتقاده ، وأصلها من حبّ الدنيا وجمعها ومتابعة النفس وهواها ، وإقامة شهواتها ، وحبّ المحمدة ، وموافقة الشيطان ، واتّباع خطواته ، وكلّ ذلك مجتمع تحت الغفلة عن اللّه ونسيان منّته » « 4 » . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 78 إلى 80 ] قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( 78 ) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 79 ) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ ( 80 )

--> ( 1 ) . معاني الأخبار : 325 / 1 ، تفسير الصافي 4 : 103 ، وفيهما : ونشاطك ، بدل : وغناك ، تفسير روح البيان 6 : 431 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 7 : 25 ، تفسير روح البيان 6 : 431 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 431 . ( 4 ) . مصباح الشريعة : 107 ، تفسير الصافي 4 : 103 ، وفي النسخة : سنته .